![]() |
| نموذج لتربية الدواجن في الأقفاص، يواجه صغار المربين القانونيين صعوبة في مجاراة كفاءة المجمعات الكبرى التي تعتمد على أتمتة كاملة لهذه النظم لخفض التكاليف. |
تحول خبر نفوق أعداد من الدواجن لدى عدد من صغار الفلاحين العاملين بقطاع تربية الدواجن بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وسط اضطرابات في قطاع الطاقة في تونس، إلى ملف رأى فيه مراقبون أهمية قصوى للوقوف عنده لما يحمله من دلائل على بوادر أزمة سيشهدها القطاع وتترافق مع فترة صعبة منتظرة أمام جيب المواطن.
وتأتي هذه التوقعات من مراقبين مع واقع يغذيها، بعد تأكيد عدد من مربي الدواجن الصغار نفوق أعداد من الدواجن بالآلاف بسبب انقطاع التيار الكهربائي المتكرر في مداجنهم لفترات طويلة وصلت إلى 7 ساعات في مناطق مثل الهوارية بولاية نابل، تزامن ذلك مع موجة الحر التي تشهدها البلاد، مما أدى إلى نفوق 100% لبعض الفلاحين وبضعة آلاف بين 3 و 6 الاف للآخرين وفق تصريح لاحد فلاحي الجهة لديوان اف ام. وتعد تربية الدواجن من أكثر القطاعات حساسية من حيث الشروط الصارمة لإنجاح الإنتاج، أهمها تهوية المداجن عبر المراوح، لذلك فإن توقف عمل المراوح مع حرارة الطقس ووجود آلاف الطيور في المدجنة الواحدة كفيل بأن يحولها إلى فرن خلال ساعتين أثناء فترة ذروة الحر، وغياب مولد كهربائي ذي قوة عالية وباهظ الثمن يغطي الانقطاع.
وفي مقابل هذه التداعيات الميدانية، اتخذ السجال أبعاداً تنظيمية وهيكلية حيث أوضح رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بالمهدية، صالح شرف الدين، في تصريح الأحد 30 أوت 2026، أنه لم يسجل إلى حد الآن أي خسائر لدى مربي الدواجن الناشطين وفقاً للصيغ القانونية. وتعليقاً على أنباء نفوق عدد هام من الدواجن بمعتمدية ملولش بالمهدية، أشار شرف الدين إلى أن الاتحاد بادر بالاتصال بالجهات الرسمية لمطالبة المتضررين بما يفيد نشاطهم القانوني قصد تمكينهم من تعويضات "صندوق الجوائح" بوزارة الفلاحة، مشدداً على أن النشاط خارج الأطر القانونية المنظمة والرخص الرسمية يحرم المربين من هذه الامتيازات الحمائية، فضلاً عن تعريضه صاحبه للمخالفات .
وبالإضافة إلى الصعوبات التقنية وموجة الحر، يعاني صغار الفلاحين في قطاع تربية الدواجن والقانونيين ، مشاكل في القدرة التنافسية بسبب هوامش الربح الضعيفة مقارنة بالمجمعات الكبيرة لإنتاج الدواجن، حيث تتيح الهيكلة المتطورة للمشاريع الكبرى خفض كلفة الإنتاج والرفع من طاقة الاستيعاب، مما يمنحها هوامش ربح مرنة وقدرة أعلى على الصمود أمام الأزمات الطرئة.
ويعتبر قطاع إنتاج اللحوم البيضاء -الدواجن- في تونس قطاعاً حساساً ويدخل ضمن الأمن الغذائي للبلاد لما يمثله من نسبة هامة من استهلاك التونسي، حيث أكد منذ أشهر إبراهيم النفزاوي -رئيس الغرفة الوطنية للدواجن- في تصريح له أن اللحوم البيضاء تغطي 95% من استهلاك التونسيين من اللحوم، ويُذكر أن الاستهلاك الوطني الشهري من الدجاج الحي يبلغ عادة حوالي 16 ألف طن، ووفقاً لتقديرات مهنية، فإن حوادث النفوق الأخيرة قد تدفع بالإنتاج نحو الانخفاض إلى حدود 13 ألفاً و900 طن، مما يخلق فجوة في التزويد بالسوق.
ارتفاع مرتقب في الطلب على الدواجن وسط توقعات بندرة المنتوج
لا يمكن قراءة حالات النفوق في قطاع الدواجن لدى صغار الفلاحين خاصة في هذه الفترة بمعزل عن التغيرات الموسمية في القدرة الشرائية والتوجهات الاستهلاكية للتونسيين فمروراً بنفقات عيد الأضحى السابقة وصولاً إلى مصروفات فصل الصيف التي تعتبر من أكثر المصروفات للتونسي مقارنة ببقية الفصول، تتجه القدرة الشرائية للتونسيين إلى اختبار العودة المدرسية خلال الأسابيع المقبلة.
ويرى حسام سعد، عضو منظمة آلرت "Alert" التونسية حول اسباب هذه الازمة المرتقبة في قطاع الدواجن خلال تحليل مصور لمنصة "الكتيبة"، أن هذه الظروف مجتمعة، مدفوعة بغلاء الأسعار الذي تشهده اللحوم الحمراء ولحم الضأن الذي يباع في الأسواق بـ 60 ديناراً للكيلوغرام الواحد، ستدفع بالمواطن لا محالة للتوجه نحو اللحوم البيضاء -الدواجن- لكونها البديل الأكثر تناسباً مع قدرته الشرائية الموسمية، مما يزيد الطلب عليها وسط الصعوبات التي يواجهها الإنتاج لدى صغار الفلاحين الذين يمثلون بدورهم حلقة مهمة في تزويد السوق، وأمام هذا الإقبال المتوقع، تظل الأسعار تحت مجهر وزارة التجارة التي حددت في وقت سابق سقفاً قانونياً لبيع الدجاج الجاهز للاستهلاك (عند 8500 مليم )، وسط مخاوف من انتعاش المسالك الموازية التي قد تتجاوز هذه الأسعار.
وتتجاوز المخاوف المهنية التقديرات الظرفية الحالية، حيث تحذر تقارير وتحليلات متقاطعة داخل القطاع من إمكانية تسجيل نقص حاد في معروض لحوم الدجاج قد يصل إلى 40% خلال شهري نوفمبر وديسمبر المقبلين. هذا التراجع، إن تحقق، سيهدد مسالك التوزيع المعتادة ويخلق ضغوطاً مضاعفة على الأسعار مع الاستعداد المبكر لشهر رمضان المقرون بالطلب المرتفع.
وفي المحصلة، تكشف المؤشرات المتداخلة في قطاع الدواجن في تونس وما يعانيه من صعوبات خاصة لدى الحلقة الأضعف فيه -صغار الفلاحين- أن الأمن الغذائي يظل رهينة عمل الهياكل المهنية ومراكز القرار على مزيد تدعيم هذا القطاع الحساس وتوفير آليات الصمود أمام الظروف الطارئة لجميع حلقات إنتاجه، وتحسين تنافسية الحلقات الأضعف لأهميتها كركائز إسناد للسوق الاستهلاكية في حالات النقص.