![]() |
| الناشط سيف الدين العرفاوي خلال أحد التحركات الميدانية التي أثارت شعاراتها ملاحقات قضائية على معنى مجلة الاتصالات. |
أصدرت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بطاقة إيداع بالسجن في حق الناشط بتحرك "نَفَس" سيف الدين العرفاوي، مع تحديد جلسة يوم 27 أوت 2026، وذلك على معنى الفصل 86 من مجلة الاتصالات المتعلق بالإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات، وفق ما أعلنه تحرك "نَفَس" في بيان نشره أمس الإثنين.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من الاحتفاظ بالعرفاوي على خلفية مادة رقمية مرتبطة بالتحرك الاحتجاجي الأخير، وبالتحديد بعبارة "هز الكازي للرازي"، التي أثارت جدلًا واسعًا بسبب التأويلات التي ربطتها بإشارة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد. وفي المقابل، ينفي العرفاوي، وفق ما نقله المحامي أنس كدوسي، أن يكون قصده من العبارة ما ذهب إليه البعض في تفسيرها.
وكان العرفاوي قد خضع للسماع لدى الضابطة العدلية يوم الجمعة 21 أوت، قبل أن يتم الاحتفاظ به لمدة 48 ساعة، ثم التمديد في مدة الاحتفاظ 24 ساعة بعد عرضه على النيابة العمومية. وانتهت هذه المرحلة بإحالته مجددًا على أنظار النيابة العمومية يوم الإثنين 24 أوت، التي قررت إصدار بطاقة إيداع بالسجن، وفق المعطيات المنشورة من تحرك "نَفَس" والمحامي أنس كدوسي.
من الاحتفاظ إلى بطاقة الإيداع.. الفصل 86 في واجهة الملف
يمثل صدور بطاقة الإيداع انتقالًا للقضية إلى مرحلة قضائية جديدة، إذ أصبحت الإحالة وفق الفصل 86 من مجلة الاتصالات هي الأساس القانوني المعلن للتتبع، في انتظار ما ستشهده القضية من مراحل لاحقة.
وكان المحامي أنس كدوسي قد أشار في منشور له، قبل صدور بطاقة الإيداع، إلى أن الملف يمكن أن يتخذ عدة مسارات بحسب التكييف القانوني المعتمد، من بينها الفصل 86 من مجلة الاتصالات، والفصل 67 من المجلة الجزائية، والفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022. كما اعتبر، من وجهة نظر الدفاع، أن الفصل 55 من المرسوم 115 لسنة 2011 يمكن أن يكون النص الأقرب للوقائع في أقصى الحالات، مع تأكيده في الوقت ذاته أن الدفاع يعتبر أنه لا توجد جريمة في الموضوع.
وتبقى هذه التكييفات القانونية جزءًا من قراءة الدفاع للملف، في حين أن التكييف الذي أُحيل به العرفاوي قضائيًا في التطور الحالي هو الفصل 86 من مجلة الاتصالات، على أن تتضح بقية المسألة وفق ما ستقرره الجهات القضائية المختصة.
"هز الكازي للرازي".. بين العبارة والقصد المنسوب إلى صاحبها
في خلفية القضية، تقف العبارة التي رُفعت خلال التحرك الاحتجاجي الأخير وأثارت جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ فُهمت من قبل البعض باعتبارها تلميحًا إلى نقل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مستشفى للأمراض العقلية، وهو التأويل الذي أصبح محورًا أساسيًا في الجدل المحيط بالملف.
غير أن رواية الدفاع تقدم زاوية مختلفة لهذه المسألة، إذ نقل المحامي أنس كدوسي أن العرفاوي، أثناء سماعه لدى الضابطة العدلية، أنكر أن يكون قصده من العبارة ما ذهبت إليه أذهان البعض. وبذلك، يبرز في الملف فرق بين العبارة محل الجدل وبين القصد الذي ينسبه إليها صاحبها، وهي مسألة لا يمكن حسمها بمجرد التأويلات المتداولة، وإنما ترتبط بما ستقدمه الأبحاث والجهات القضائية من تقدير للوقائع.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل انتقال القضية من مرحلة التثبت الأولي إلى بطاقة الإيداع، إذ أصبح تحديد طبيعة العبارة وسياقها والقصد المرتبط بها جزءًا من عناصر الملف الذي سيعرض على القضاء.
منصف المرزوقي.. سابقة لفظية تعود إلى الواجهة
وفي سياق أوسع، تبرز لقطة شاشة لمنشور قديم منسوب إلى حساب باسم سيف العرفاوي، يعود تاريخها إلى ماي 2013، وتتضمن وصفًا للرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي بلفظ "مهبول" واعاد نشرها النائب السابق زياد الهاشمي في تدوينة على حسابه. وتقدم هذه اللقطة معطى سابقًا مرتبطًا بطريقة تعبير العرفاوي تجاه رئيس جمهورية، قبل أكثر من ثلاثة عشر عامًا من القضية الحالية.
ولا يعني ظهور هذا المنشور القديم أنه يشكل جزءًا من الملف القضائي الحالي أو أنه دليل على ارتكاب مخالفة في القضية الجديدة، كما لا يمكن من خلاله استنتاج وجود علاقة قانونية مباشرة بين الواقعتين. غير أنه يضع العبارة الحالية في سياق تاريخي أوسع، باعتبار أن استعمال وصف يمس السلامة العقلية لرئيس جمهورية ظهر سابقًا في خطاب منسوب إلى الناشط نفسه.
![]() |
| منشور أرشيفي يعود إلى ماي 2013 يوثق استخدام الناشط لعبارات مماثلة في سياق المناكفات السياسية المعتادة ضد منصف المرزوقي. (لقطة شاشة/فيسبوك) |
وتظل المقارنة بين الواقعتين محدودة في بعدها السياقي، بالنظر إلى اختلاف الظروف السياسية والزمنية والوسيلة التي صدرت من خلالها كل عبارة، ولا يمكن أن تحل محل ما ستكشفه الأبحاث في القضية الحالية أو ما ستقرره الجهات القضائية بشأنها."
"نَفَس" يصف بطاقة الإيداع بالسجن تصعيدا ضد حرية التعبير
وفي أول موقف له بعد صدور القرار، اعتبر تحرك "نَفَس" أن بطاقة الإيداع بالسجن تمثل "تصعيدًا خطيرًا" في ما وصفه -في بيان نشره- بسياسة التضييق على الحريات، مؤكدًا أن التتبع يأتي على خلفية تعبير سيف الدين العرفاوي عن مواقفه ومشاركته في تحرك مدني سلمي.
وطالبت الحركة بالإفراج الفوري عن العرفاوي، ووضع حد للتتبعات التي تستهدف النشطاء بسبب آرائهم ومواقفهم، مع التأكيد على احترام الحق في التعبير والاحتجاج ووقف ما وصفته بالتضييق على المجال العام.
وبذلك، أصبحت قضية سيف الدين العرفاوي أمام مسار قضائي جديد، يجتمع فيه قرار الإيداع وفق الفصل 86 من مجلة الاتصالات، ورواية دفاع تنفي القصد الذي فُهم من العبارة محل التتبع، إلى جانب نقاش سياسي وحقوقي أوسع حول حدود التعبير في المجال العام. أما الفصل في المسؤولية والتكييف النهائي للوقائع، فيبقى من اختصاص القضاء.
